لال البيت عز لا يزول وفخر لا تحيط به العقول يكفيكم يابني الزهراء فخرا اذا ماقيل جدكم الرسول صل الله عليه وسلم واله
محمد بن عبد الوهاب.. رجلٌ يحكم الدواعش من قبره :
يظل محمد بن عبد الوهاب، مؤسس الوهابية، رقمًا في معادلة التطرف والعنف على امتداد التاريخ القديم والمعاصر، في ظل تمدد وانتشار واستنساخ مكونات السلفية التقليدية والجهادية وتيارات الإسلام السياسي، التي ترتكز على أدبياته في بناء مرجعياتها الفكرية والتنظيمية، والتي استمدتها من التاريخ الحركي للدولة الوهابية الأولى وما طرحته من سياقات فقهية وعقائدية، وترويجها للانحرافات الباطلة التي البستها رداء الحق، من تعميماتها في تكفير عامة المسلمين، إلى التطاول على الذات المحمدية، والتجرؤ على آل البيت ومقاماتهم تحت لافتة "البدعة".
دّون محمد بن عبد الوهاب سياقاته الفقهية والعقائدية التي استندت عليها مكونات السلفية الجهادية في عدة أطر، من بينها قراءته المضللة لمفهوم "الهجرة"، التي قصرها في "بلد الشرك إلى بلد الإسلام"، معتبرًا فرضيتها قائمة إلى قيام الساعة، ومعتبرًا أن من لم يكفِّر المشركين (المخالفين له) فهو كافر، وأن التعامل مع المشركين ومعاونتهم يعد كفرًا، ومن ثم جعل الاتفاقيات والمعاهدات مع دوائر صنع القرار في الغرب كفرًا صريحًا، والتي فتحت الباب أمام تكفير الدول الإسلامية بمؤسساتها وكياناتها الشرعية والقضائية والسياسية والعسكرية، والانقلاب عليها، ما لم تحمل بين جنباتها أبجديات ومفردات المذهب الوهابي.
نصوص محمد بن عبد الوهاب، دعوة صريحة إلى تكفير وقتل المسلم المقر بالشهادتين، حاصرًا الإسلام في فئة صغيرة من اتباعه، ومعتبرًا أن الإسلام بعث معه من جديد، وأن جميع من في الأرض كفار مشركون لا يدينون بدين الحق، وداعيًا إلى تكفير غالبية المسلمين، ومعلنًا شعاره الشهير "الدم الدم والهدم الهدم"، والذي أنتج في مضمونه أحكامًا وفتاوى دارت حول مفهوم "التوحيد المتوحش"، والتي دفعت تنظيم "داعش" إلى الاحتفاء بوثيقة "نواقض الإسلام العشرة" التي سطرها ضمن رسائله، وتعميم لصقها على مختلف جدران وبنايات المدن السورية والعراقية على سبيل الدعاية العقدية والحشد الديني، والنفير إلى دولة الخلافة المزعومة.
يعتبر محمد بن عبد الوهاب المرجع الأول بلا منازع، والمحرك الرئيسي للتنظيمات التكفيرية المسلحة، التي اعتمدت على صياغاته حول مفردات التكفير، والتي تعتبر الامتداد الطبيعي لنصوص "التكفير" و"التوحش" عند ابن تيمية، التي ضمت عبارات "يستتاب وإلا قتل"، أو "وإلا فإنه يقتل"، وتكررت 428 مرة في كتبه، منها 200 مرة في كتابه "مجموع فتاوى ابن تيمية"، والتي مثلت مرجعًا للاحقين أمثال أبو الأعلى المودودي وسيد قطب وحسن البنا، وأبو مصعب الزرقاوي، وأسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، وأبو بكر البغدادي، ورفاعي طه وتلاميذهم.
فالمنهجية التي اعتنقها سيد قطب بناءً على تأويلات أبو الأعلى المودودي، لا تمثل سوى مطابقة حقيقية لما طرحه ابن تيمية، ومن ورائه محمد بن عبد الوهاب، حول الفرضية البحثية التي اعتبرت أن المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات مسلمة بالاسم، ولا تدين بشرع الله، ولا تطبق مفهوم الحاكمية، وسلطة الله المطلقة في أرضه، ومن ثم تدخل ضمن نطاق المجتمعات الجاهلية التي كانت لا تدين بالإسلام ولا تطبق مفاهيمه ومناهجه، وذلك وفق تفسيرات قائمة على ظاهر النصوص القرآنية.
فكل ما صنعه داعش من تدمير للأئمة والأولياء والصالحين واستحلال دماء المسلمين وتكفيرهم وتدمير آثار وتشويه الحضارة الإنسانية، لم يخرج عن إطار المنهج الفقهي والفكري الذي وضعه محمد بن عبد الوهاب، فليس مستغربًا أن تنشر "مؤسسة المنهاج" التابعة لتنظيم "داعش" مقالًا من 18 صفحة، تحت عنوان: "الشيخ البغدادي على خُطى الإمام محمد بن عبد الوهاب. التشابه بين الدولتين: محمد بن عبد الوهاب، وأبو بكر البغدادي"، مستعرضًا في إطار تاريخي مقارنة بين دعوة تنظيم "داعش" ودعوة محمد بن عبد الوهاب، مستندًا إلى الكتب التي تناولت منهجية عبد الوهاب، وخاتمًا مقدّمته باعتراف لا لبس فيه: "داعش هي امتدادٌ لدعوة ودولة الإمام محمد بن عبد الوهاب، ومشابهة لها في المنهج والكثير من الأحداث".
واستشهد المقال بما كتبه آندرو كرايتون في كتابه "تاريخ الوهابيين" الصادر عام 1833 عن الدولة الوهابية الأولى: "أما الذين وقعوا أسرى في أيدي المتعقبين لهم فشوّهوا بوحشية، إذ قطعت أيديهم وأرجلهم، ثم تركوا ليفنوا"، مضيفًا: "هكذا كانت تفعل الدولة الوهابية، تقتل من يقع في يدها بكل شدة وعنف، حتى أوقعوا الرعب في أعدائهم". وفي الخاتمة سلط المقال الضوء على الدولة الوهابية الأولى، مقارنًا بينها وبين "دولة البغدادي"، ليخرج بنتيجة أن: "داعش" هي الامتداد الطبيعي للوهابية، وتحديدًا للدولة الوهابية الأولى، منهجًا وعملًا.
في إطار التباهي بتاريخ الدولة الوهابية الأولى، سجل عدد من مؤرخيها، وفي مقدمتهم عثمان بن عبد الله بن بشر، ما يمكن أن يحاكم عليه بن عبد الوهاب كـ"جرائم حرب" ضد المسلمين والعزل والأبرياء في سياق تمكين ونشر ضلالاته وانحرافاته الفكرية التي صاحبت ترسيخ بناء دولته الأولى تحت سطوة السلاح والقتل، إذ لا حرج في اعتباره أول من عمل على "عسكرة الدعوة الإسلامية"، وفق قراءة نصية وضعت قواعد ومنطلقات شرعية اتخذتها جماعات السلفية الجهادية مرتكزًا في تأهيل وتدريب عناصرها فكريًا وحركيًا في نطاق معسكراتها، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم داعش.
عداء وكره بن عبد الوهاب للجَنَاب المحمدي وآل بيته كان طافحًا في رؤيته وتفسيراته، والتي صاغت مدلولات تكفير كل من يتوسل بالنبي ﷺ وآل بيته الكرام، وأن شفاعة الأنبياء والتوسل بالصالحين كفرًا وخروجًا من ملة الإسلام، فمارست حركة محمد بن عبد الوهاب اعتداءاتها على الأمة الإسلامية. ففي عام 1217هـ، دخلوا الطائف وقتلوا الناس قتلًا عامًا، وذبحوا الأطفال الرضع وهم على صدور أمهاتهم، وفي عام 1221هـ، نهبوا الحجرة النبوية، وهدموا القباب، ومنعوا المسلمين من زيارة قبر النبي ﷺ، كما يذكر الجبرتي. ولم تسلم بلاد الشام من جرائمهم، إذ أغاروا على بلاد حوران، ونهبوا أموالهم، وأحرقوا الغلال، وقتلوا الكثير من المسلمين، وسبوا نسائهم، وعاثوا في الأرض فسادًا، تحت راية الشريعة وتطبيق التوحيد الخالص، على حد زعمهم.
وفي سياق ممارساتهم الهمجية، دمروا كل المقامات والأضرحة والآثار التي كانت شاهدة في جزيرة العرب على صفحات مشرقة من السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، مثل قبور أئمة البقيع وبيوت أزواج النبي ﷺ وعدد من أضرحة الصحابة والأولياء، وفق ما ذكره ابن بشر—مؤرخ الوهابية—في كتابه "المجد في تاريخ نجد". حتى أنهم كادوا يبطشون بقبر النبي ﷺ نفسه، لولا أن القوات المصرية تمكنت عام 1818 بقيادة محمد علي باشا من سحق حركتهم.
وحول مذبحة حجاج اليمن الكبرى، يقول محسن الأمين في كتابه "كشف الارتياب عن اتباع محمد بن عبد الوهاب": في هذا العام (1341هـ) التقى الوهابيون بالحجاج اليمانيين، وهم عزل من السلاح وجميع آلات الدفاع وهم في الطريق، فأعطوهم الأمان ثم غدروا بهم، فلما وصلوا إلى سفح جبل، مشى الوهابيون في سفح الجبل، واليمانيون تحتهم، فعطفوا عليهم وأطلقوا الرصاص حتى قتلوهم عن بكرة أبيهم، وكانوا ألف إنسان، ولم يسلم منهم غير رجلين هربا وأخبرا بالحال.
ويقول الشيخ أحمد زيني دحلان، مفتي مكة في أواخر السلطنة العثمانية، في تاريخه تحت فصل "فتنة الوهابية": "فزعم أن زيارة قبر النبي ﷺ والتوسل به وبالأنبياء والأولياء والصالحين وزيارة قبورهم للتبرك شرك، وأن نداء النبي ﷺ عند التوسل به شرك، وكذا نداء غيره من الأنبياء والأولياء والصالحين عند التوسل بهم شرك، وأن من أسند شيئًا لغير الله ولو على سبيل المجاز العقلي يكون مشركًا نحو: نفعني هذا الدواء، وتمسك بأدلة لا تنتج له شيئًا من مرامه، وأتى بعبارات مزورة زخرفها ولبس بها على العوام حتى تبعوه، وألف لهم في ذلك رسائل حتى اعتقدوا كفر أكثر أهل التوحيد".
ويضيف: وهم يمنعون من الصلاة على النبي ﷺ على المنابر بعد الأذان، حتى إن رجلًا صالحًا كان أعمى وكان مؤذنًا، وصلى على النبي ﷺ بعد الأذان بعد أن كان المنع منهم، فأتوا به إلى محمد بن عبد الوهاب فأمر به أن يقتل فقتل. ولو تتبعت لك ما كانوا يفعلونه من أمثال ذلك لملأت الدفاتر والأوراق، وفي هذا القدر كفاية".
فما تحياه الأمة العربية والإسلامية، لم يكن سوى جناية لما طرحته أفكار وأدبيات محمد بن عبد الوهاب على مستوى التحريف، والتكفير، والإقصاء، والتوظيف السياسي، وعسكرة الإيمان، والطعن في مفهوم الانتماء الوطني، والانقلاب على مؤسسات الدولة بتهمة تعطيلها لشريعة الله، وكذلك القصور في تفسير وفهم معاني الشريعة ومقاصدها، في ظل القراءة السطحية للنصوص القرآنية، والتي صنعت جيوشًا من المخبولين والمتنطعين الذين لا يرون الدين إلا من منظورهم ورؤيتهم.
#مجلة_روح_الإسلام

تعليقات
إرسال تعليق